Monday, July 26, 2010

!! الله هناك .. أتكونوا أنبياء ؟؟

.
...
.
ليات منكم كل من يشعر في نفسه طيبة
.. و لتتجمعوا عند اقرب مكان دافئ
.. عالمنا ليس مليئا بالاماكن الدافئة
.. ليات كل منكم ببعض الياسمين قي يده
.. و يحاول ان يكون مستحما
.. بمياه جوفية لم تمس
.. و يعفر علي وجهه بقليل من التراب
.. هناك
.. في مكان أطهر من قصائدي المليئة بالنفاق
.. سنجتمع دون ميول تجتاح افكارنا
.. و سنتبادل المحبة
.. و نتلو نصوص أخلاقنا المقدسة
.. في صمت يشبه صوت السماء
.. عندما كانت متحابة جدا مع الأرض
.. قبل دقيقة واحدة علي بداية الخلق
..

لم يعد في بلدي الكثير من العشب
.. بما يوازي الكمية الكافية من براءة الفتيات
.. و بما يعني ان الناس
.. لم تعد تدرك معني حقيقيا للسماء
.. و لا نتيجة منطقية
.. لكل هذه الاكف المتضرعة في عبث
.. و اذا حاول اي منكم ان يعود للفلاحة في قريته
.. فسيكتشف انه كان مخطئا
.. حين ظن أن القرية كانت نقية
.. في نظر الله
.. لم يعد في بلدي الكثير من العشب
.. و لا احد يلومني علي كتابة قصائدي بالكيبورد
.. من الذي يجذب حبل النهاية ؟؟
هناك أسباب متعدد للحسرة
.. و لن يمنح الانسان - للأسف
فرصة أخري للحياة
..

بصرف النظر عن الحزن
.. الشئ البشري الطبيعي جدا
.. نحب ذاتنا بكثرة
.. ونتعلم النظر الي أشياء أرقي
.. من انتفاضات اجسادنا
.. الملوثة بماء الشهوة
.. المرأة التي احبتني أخبرتني بذلك
.. و العطوفون جدا علي حالي فطنوا السر
.. نصحوني بالابتعاد عن القهوة المغرقة بالنغمات الحزينة
.. دائما ما أشربها بحب
.. دون أن أفكر في معناها
.. حان الوقت للتخلص منها
.. و اقتراف بعض الالوان الفاتحة
.. بدلا من جرائمي المعتادة
.. سئم خيالي منها
.. حتي أصبح مثل خيال العامة
.. الذين يفكرون في الخبز و الاشياء العادية
.. و لكتني لا اعلم الي الآن
لماذا ما زلت حزينا
!!
..

ا " الله لا يوجد قي أضواء النيون
.. و لا تقنعه ابتهالات البلوجرز
.. " الله هناك حيث يوجد الطيبون
.. هكذا قالها و رحل
.. لم يروه و هو يزرع الياسمين
.. و يخبئ الاحلام ارتعشات
.. في ليلة تتسم باليقين
.. لم يشعروا به
.. و هو يكلم السماء من تحت مخلفاتهم
.. و يرمم ببعض انفاسه
.. ثقب الاوزون
.. لم يكن الافضل .. و الدليل
.. ان ملابسكم عندما ضاقت عليه
.. مات
.. هل كان يعرف النبي أننا سنخون الجمال ؟؟
.. و سنسكن في طرق مرصوفة
.. لتنظم امتدادات عفويتنا
.. و ان مدننا ستظل تئن لاننا طردنا العصافير منها
.. هل كان يعرف النبي
.. ان البشر لا يحتاجون لمعجزات في كل الاحوال
.. و ان الرقص علي حافة الحياة
.. ليس من صفات الشيطان فقط
.. هل يمكننا الآن أن نفعل شيئا ؟
!!
الآن أصبح من المهم
.. أن نقنع أنفسنا دائما
.. أننا يمكن أن نكون جميعا
.. أنبياء
.
.
.
من قصيدة " بصرف النظر عن الحزن " لتامر عفيفي

Tuesday, July 20, 2010

24

كأن كل الكلمات لن تكفي
.. كل الآهات لن تجدي
.. كل القطرات لن تروي
.. كل الخطي لن تصل
.. و كل السبل لن تهدي
.. الوجوه تتشابه
.. و القلوب تضيع في التيه ذاته
.. أعداد القتلي غير مهمة اليوم
.. أعداد القتلي غير مهمة غدا
.. و لا بعد غد
.. قطارات المترو
.. تتلاحق علي الرصيف المقابل
.. دائما علي الرصيف المقابل
.. في الجدار نافذة
.. وخلف النافذة جدار
.. فيه نافذة
.. وخلف النافذة جدار
.. فيه نافذة
.. .. وخلف النافذة جد
.... .. كرة شاردة وسيارة مسرعة
.. و أطفال يلوحون بقوة من بعيد
.. و تسديدة طائشة
.. .. من زمن طويل لم نلعب الكرة
.. أترانا نجيد اللعب بعد ؟؟
.. تطور طبيعي أن نفقد مهاراتنا
.. في الماضي كان الله
.. يظهر لي حين تغيب الشمس
.. في هيئة بستاني
.. يتجول في الأفق الوردي
..و يرش الماء علي الدنيا الخضراء
.. الصورة ماثلة .. لكن
.. .. الطفل الرسام
.. طحنته الأيام ..
..
..
آخر 8 سطور من قصيدة لحجازي

Friday, July 9, 2010

الاشياء التي تبقي

..
..
أمل من رغبتي العارمة في رؤية الأشياء مكتملة .. أخرج من امتزاجي بالبشر و الأحداث .. أتفحص اليوميات القديمة .. و تاريخ اليوم الذي غافلني .. أفتش في حاضري عن مخزون ابتسامات الغد .. و أكتشف أني فاتني تخزين الابتسامات .. أحاول أن أبتسم اليوم و أترك للغد تداعياته ..
ترجفني الاهتزازات علي كوبري قصر النيل .. أفكر أنه حتما سيسقط بما عليه .. البشر.. الحيوانات .. السيارات .. أي كارثة .. أتصور المنظر البشع الذي سيحدث .. ماس كهربي سيندلع .. سيحرق المول الهائل بما فيه .. كل هؤلاء الغافلين .. و الحريق .. الصدمة و الهروب المجنون .. أي فزع .. أخاف .. ثم يجذبني أحدهم فأفيق من غفوتي .. أعود أمتزج بلحظاتهم الراكدة .. أصبح لا شئ .. لا أخاف و لا أطمئن .. لا أنهزم أو أبتهل .. لا أضحك أو أعبس .. أتذكر عنما كنت أخلو الي نفسي في صغري أنتظر مرعوبا وقوع كارثة ما : سيسقط هذا الجدار و يهوي البيت .. سيدخل مجنون من هذا الباب ليذبحنا في أسرتنا .. أخاف أن أنام حتي لا أستيقظ لأجدني محترقا أو أصرخ عندما أري ذراعي الذي التهمته الفئران .. لماذا كنت أتصور دائما وقوع الكوارث .. و لماذا يبقي الخوف .. رغم يقيني أن الكوارث لن تحدث الآن ؟؟
..
أمسك القلم الرصاص مجددا و أحاول .. ترتعش يدي .. يخونها اتزانها .. تضل .. ثم تتوقف .. كم كنت أعشق حصة الرسم و أنتظرها .. أذكر براعتي التي أذهلت الأولاد و المدرسين .. الابتكارات العجيبة التي أخترعها و الألوان المنسقة و المساحات المشغولة .. أتذكر كم كنت واقعيا في رسمي .. أحب أن يبدو كل شئ كما يوجد عليه حقا .. أحب أن تكون كل الخطوط متزنة واضحة و المساحات مشغولة و الألوان محكمة ..
..
لماذا أريد أن أفعل كل شئ كما يجب ؟؟ .. أدرك أني لن أحوز أبدا كل طموحي .. أحاول أن ارضي بالنتائج الناقصة و الهوامش القليلة الفارغة ..أعرف أني لن أحوز كل شئ كما يجب أن يكون لكن .. يكفي كل هذا التأجيل .. أوافق علي دفع أشياء كثيرة للهامش .. لكن يجب الآن صناعة الظروف لا انتظارها .. يجب حسم المبادرات المؤجلة .. يكفي الانصياع لأصابع التغيير الخارجية .. ي ك ف ي
..
.. أقلب أحداث اليوم قبل نومي .. و أتسائل عن الجديد في رصيدي .. أراجع التاريخ في الموبايل و أضبط منبها جديدا .. أحاول أن أرضي بنتائج اليوم .. لن تحوز كل شئ .. اقتل طموحك أو اقتل نفسك
.. اففف .. لن أحاول الرسم غدا
.. أنظر الي النافذة المغلقة
.. لن يدخل منها وحش رهيب يلتهمني
.. نعم أنا أدرك جيدا هذا
.. لكني أخاف ..

Thursday, July 1, 2010

حصان يأكل برسيم .. تحت شجرة

.
.
لأني أعرف أنك أحيانا تصبح طفلا عنيدا شديد الغباء .. لا يري سوي رغبته و لا يسمع سوي صوته .. يسئ الفهم و يصر علي مواقفه المتعنتة .. لقد آلمتني حقا بظلمك و عنادك .. عبثا حاولت أن أكشف أمري لعينيك الساذجتين .. لكن هيهات .. و عندما شائت الأصابع الخفية أن تحتاجني فكرت لحظة .. هل تطفئ النار النار .. و هل يشفي التشفي الألم أم يروي الكراهية .. نعم فكرت لحظة لكني .. تصرفت بتلقائية .. لأني أحب سذاجة قلبك الغرير .. و لا أري سوي ابتسامتك الساذجة البسيطة .. لذا مددت يدي .. و لم أنتظر أن تمد يدك .. و لم أتوقع أن تزيح الغمام عن أنانيتك العنيدة و تشبثك الغبي .. لكنك فعلتها .. فاجأتني و فعلتها : " أنا آسف .. مش علي النهاردة بس .. بس عشان كل اللي فات .. أنا غلطت في حقك و مش عاوزك تزعل مني " .. ما الذي سينقذنا في هذه الأيام الجهنمية سوي هذه النسمات الرطبة المذهلة
!!
.. آه .. لطفت يومي الحار مثل قطرة ندي صباحية مسحورة .. أدهشتني بطفوليتك التي لا تكف عن ابهاري .. أتعلم أني أقابل عشرات الأطفال كل أسبوع !! .. و هل تعلم شيئا : أحب أن أراهم .. لأنهم تافهون .. صغيرون .. لا مبالون .. يشعرونك بأن ثمة شئ علي الأقل لا تكلف فيه و لا افتعال .. أحب مداعبة هذه الأطراف الصغيرة العابثة و الأنامل الصغيرة المنقبضة بلا اكتراث للعالم و مذابحه .. أحب هذه الوجوه المبتسمة دون فهم و الباكية بلا خبر عن مأساة .. أحب هذه الهمهمات الباحثة عن كلماتها .. و الكلمات الباحثة عن معناها .. و الصيحات القصيرة التي لم تعي بعد جدوي الصياح .. أحب صراخهم و لعبهم بالقاذورات و ركلهم للغرباء .. أيا كان ما يفعلون هم يجسدون لك البساطة .. الصراحة .. و النقاء .. ينعشون ذاكرتك المرهقة التي نسيت رائحة النظافة
..
.. لا .. لا أعشق النظافة .. لكني أهوي التنظيف .. أحيانا أدخل المطبخ فقط لأمسك أحد الأطباق و أغرق سطحه برغاوي سائل التنظيف .. ثم أفتح المياه بحذر وأراقب .. عمود المياه الرفيع و هو يتهاوي بانسيابية جذابة ليأخذ معه عمود الرغاوي و ما يحمله من طبقات الدهن و الشحوم .. ثم بزوغ السطح البراق للطبق لامعا نظيفا
..
..
آه .. أتشبث بأني قادر علي تطهير ذاتي .. و أتذكر أن الآخرين غالبا لديهم ذلك الجزء النقي البسيط في ركن ما بأعماقهم
..
لماذا أحب الأطفال ؟
!!
.. بالأمس كنت ألعب مع ايمان ذات الأعوام الست .. أكتب لها الكلمات متفرقة : " البحر .. ذهبنا .. في .. الصيف .. الي .. " .. و هي تحاول أن تتخيل القصة لترتب الترتيب الصحيح .. ثم تقول لي : " بنت " .. فأرسم بنتا .." و لد " .. فأرسم ولدا .. " وردة .. مركب .. عربية " .. أرسم .. ثم أعكس اللعبة .. أرسم قطة فتكتب هي قطة .. أرسم سمكة .. كرسي .. كتاب .. وهي تكتب .. و أطور الفكرة .. رسمت حصانا يميل بعنقه علي الأرض .. فكتبت حمار .. قلت " الحمار ودانه قصيرة و شعره طويل ؟؟ " . مسحتها و كتبت : حصان .. أرسم بعض الخطوط الطولية تحت فمه فتكتب برسيم .. أرسم شجرة تميل بفروعها فوقه .. فتكتب شجرة .. اقول : " لا .. كلها علي بعضها .. الحصان بيعمل ايه .." .. تكتب : حصان ياكل برسيم .. " و ايه تاني " .. تكمل هي : تحت شجرة .. ثم تكتب في سطر واحد : حصان يأكل برسيم تحت شجرة ..
..
أحيانا يصيبني اسم ايمان بالاندهاش .. و أحيانا أنطقه بلا مبالاة .. يبهرني ذكائها الحاد .. لكني أحب ما تفعله بي .. عندما أرسم لها .. و أري سعادة بلهاء في عينيها الصغيرتين .. تشعرني أني قادر بعد علي اختراع الألعاب الجديدة
.. تعرفني أني قادر علي اختلاق سعادات مجنونة صغيرة
.. أني في مكان ما
.. لا زلت أملك في جعبتي الفقيرة بعض الأحلام الجميلة
.. أحب ايمان .. كما أحب هذه الكائنات الرقيقة البسيطة
.. الأطفال
!!

Tuesday, June 15, 2010

لأجل ساعات من النوم الهادئ

ليلة الأمس لم أستطع النوم .. مثلما يحدث دائما
.. نهضت من الفراش بعد ساعة تظاهرت فيها بالنوم .. راوغت فيها نفسي حتي أنام .. فسخرت مني كعادتها .. قمت يائسا .. أفكر في الأمر كالعادة كأني أجهل الأسباب .. و لا أصل الي شئ .. يغمرني ذلك الحزن المقبض .. تؤنسني الوحدة في قلب الظلام و الصمت .. و يبدو السكون ملائما لتقليب الأمور كلها .. عجيب .. في الاشارة المغلقة يومها شعرت به .. رغم أن أحدهم كان يهتف بأوكازيون صيفي .. و آخر يلوح بلعب للاطفال .. و أخري تدور بعلب المناديل .. يلون العرق الوجوه المجهدة .. و تخنق اللعنات الانفاس المتزاحمة .. و الزجاج الذي يفصلك عن العالم يذوب .. تنتظر ربع ساعة أو نصف .. أو ساعة .. دون جديد .. سوي انطلاقات مبتورة قصيرة للسيارات المحاصرة .. في طريق رئيسي تختنق الحركة به كهذا .. تضعك الاشارة المغلقة خارج الزمن .. و خارج الزمن لا أصوات و لا هتافات .. لا ملامح واضحة .. لا شئ سوي السكون .. تفكر .. لم لا ينحرف السائق الي شارع جانبي .. يتجاوز الاختناق في اشارة الشارع الرئيسي ثم يعود اليه بعدها .. لكن الأمر ليس بسيطا .. يمكنك أن تأخذ طريقا جانبيا هاربا من الحصار.. و تدور من شارع خلفي فتفاجأ به مسدودا كالطريق الرئيسي .. تأخذ طريقا آخر الي شارع أصغر متفرع من ذاك .. تحاول أن تدور به لتعود الي الشارع الأكبر و منه الي الطريق الرئيسي لكن .. حتي الشارع الخلفي الأصغر مصاب بنفس الاختناق .. فتخرج منه الي غيره ثم الي غيره ثم ...... تتسع الدورة .. و يتضاعف الجهد .. و تهدر الزمن تتخبط في الشوارع الخلفية دهرا .. تطوي أنفاسك اللحظات المتسارعة .. و تلهث في النواصي الفرعية .. تقدم كثيرا من التضحيات .. تأخذ ارشادات العودة كمقابل .. و تطول الرحلة .. فتنزف تضحياتك أكثر .. و تصبح التوجيهات رخيصة .. يختل الميزان .. و من يدري بعدها .. هل ستجد طريقك الرئيسي أبدا أو تعد تذكر مكانه ؟؟ .. هل ستتمني لو بقيت في الشارع الرئيسي .. رغم الاختناق و التعثر .. رغم السكون ..؟؟ !!
في قلب الليل أفكر في الأمر .. كلمت صديقي الصيدلي من أيام .. و فهمت منه كل شئ عن العقارات المنومة .. حتي المحظورة منها .. و اتفقت معه .. لكن .. لماذا لم آخذ منه احداها .. ؟؟ ..
يزعجني ذلك الحزن المقبض .. و أنا أراجع ما حدث طول اليوم و أقول .. غدا سأحكم قبضتي علي الأمور .. غدا ساسيطر علي كل شئ .. من بائع لعب الأطفال سآخذ جناحين كبيرين و أحلق بهما فوق الطريق المغلق .. و أصل الي ذلك الشاطئ البعيد لأراك
.. في قلب الظلام و الصمت أثابر .. و أجاهد للخروج من هذه المصيدة المتشابكة .. و رغم جبل الحزن علي قلبي .. لن أتناول العقاقير اليوم
.. يغريني أنك هناك ربما .. تحلم أن تخطو حافي القدمين علي الرمال الدافئة .. لا تبذل جهدا لاستنشاق الهواء .. تقول شيئا عن العمر الضائع في الشوارع الخلفية الحقيرة .. ثم تحكي بفخر عن رحلتك العبقرية الخاصة و أنت تلوح بجناحيك العظيمين .. ثم يصبح كل ذلك لا شئ بعدها عندما نتمدد سويا علي الرمال الحانية
.. نسلم أجسادنا لمداعبات المياه و لمسات الشمس الحميمة
.. نبتسم .. و بلا جهد أو معاناة
.. ننام

Sunday, May 30, 2010

أرواح النمل

اقتربت قليلا من الرف لأتأمل الصف الأسود المتقطع الذي ينسحب من تجمع دائري كثيف حول حبة سكر صغيرة
.. تابعته علي الجدار حتي نهايته علي الأرض في شق قديم ضئيل بزاوية الجدار
.. فحصت البرطمان لأتأكد أن المخلوقات الصغيرة العجيبة لم تتسلل الي داخله .. ثم انتظرت .. هل أمسح كل هذه النقط السوداء في لحظة .. امممم .. لم أكن ابدا من الأطفال الذين يتلذذون بتعذيب الحيوانات او حرقها .. كنت أقتل النمل أو الصراصير أحيانا صحيح .. لأنها كانت تضايقني أو تصيبني بالتقزز أحيانا .. لكن لا أذكر أن ذلك كان يصيبني بالتلذذ .. و عندما كبرت .. تغيرت نظرتي للنمل .. من الضيق الي الاعجاب .. من التقزز الي التأمل و الملاحظة .. حتي عندما يخرج من الشقوق القديمة في الصيف لينصب تجمعاته الهائلة حول حبة سكر صغيرة لا تلحظها عينك علي الرفوف أو الأرض .. لم أكن أمسحها ببساطة أو أغرقها برشفة ماء صغيرة بسهولة .. شئ ما بداخلي كان ينبض ملحا .. ألهذا المخلوق التافه الدقيق روحا تستحق الاحترام ؟؟ .. هل بهذه الملليمترات القليلة شيئا يربطها بالسكر و الماء و الهواء .. شيئا يربطها بي ؟؟ .. هل من العدل سحقها بنفس البرود الذي تقلب به السكر في كوب شاي .. نظرت الي الصف مرة أخري .. ضربة واحدة تكفي .. و أحدا منهم لن يعرف أو يفهم ما حدث .. و لن يكون لديه الوقت ليفهم .. و موتهم .. هل سيمثل فارقا ؟؟ .. تذكرت ما شعرته من أيام في روابط .. أحد ملاجئ الجنون في وسط البلد .. اخترقتنا " عبير علي " بعرضها عن أربعة فاشلين ملوا انتظارهم جديدا لا يأتي و تغييرا لا يمكنهم احداثه أبدا في نمط حياتهم التافهة التي لا يسعهم فيها تغيير شئ غير ألوان ستائر البيت أو يدكوراته .. منهم الفاشل في الحصول علي وظيفة و الفاشل في الحب و الفاشل في التعامل مع الواقع .. يجتمع عليهم الفساد و التزييف و التطرف و الوحدة مع نصائح الأم التي تعيش بمعزل عن العالم الخارجي تحارب الهموم بالغناء .. و تربي أولادها علي الرضا بحياتهم البسيطة و تحرضهم علي السعادة التي تبلغ أقصاها حدود باب البيت الصغير .. و ازاء شعور كل منهم بأن ورقة لن تتحرك من موضعها من العالم اذا فارقه فهو يقرر أن ينتحر ليغيب بشكل فعلي عن واقع يطحنه فيه الألم و اليأس و هو يعيش فيه غائبا رغم وجوده
.. ما الفارق
؟؟
.. ما الفارق ؟؟ .. يمكنني محو هذا الصف في لحظة .. نصف كوب الماء هذا و تكون مذبحة .. هل لهذه المليمترات الحقيرة أرواح .. هل تموت حقا .. و من يهتم .. الخبر كان بسيطا و عابرا في نهاية النشرة .. عن جنازة شعبية لجنديان ماتا في دارفور .. دارفور ؟؟؟؟
.. ما معني أن تكون مصريا و تموت في دارفور .. مات اثنان ؟؟ .. فليموتا .. ما لم تسمع الصراخ في بيت الجيران .. و ما لم تتعثر في صوان يغلق عليك الطريق .. و ما لم تتعسر حركة ميدان التحرير للجنازة المهيبة من عمر مكرم .. ما لم يعلن الحداد الرسمي في الدولة .. ما لم يكونا اخوتك أو اصدقائك أو أقربائك .. ما لم يكن بائع الجرائد المعتاد أو عامل الأسانسير الطيب أو نادلة الكافيه ذات الابتسامة الساحرة .. ما لم يتغير شئ في حياتك .. لماذا ستهتم .. وبم ستشعر ؟؟ .. مات اثنان في دارفور .. ربما كان أحدهما حاصلا علي شهادة الاعدادية و ربما كان طبيبا .. ربما كان في العشرين أو في الثلاثين .. يلعب الكرة او يفضل الطاولة .. يطرب للغناء القديم او تبهجه الابتذالات المعاصرة .. ينتظر أن يعمل بالدولة أو يرتب مشروعا خاصا او يحارب للحصول علي تأشيرة الهروب .. خاض قصة حب مريرة أو يفتش عن واحدة .. ربما كان عطوفا أو متبلدا لا يجد لذة في العطاء .. من سيعرف كل هذا .. يموت مصري في دارفور .. لان التجنيد اجباري .. أو لان التجنيد وطنية !! .. ربما .. و ربما مات بسبب العلاقات الاستراتيجية التي تربط مصر بالسودان .. ربما مات لدور مصر الرائد في افريقيا و علاقتها بالأمم المتحدة و الاتحاد الافريقي .. ربما كان لموته علاقة بمشكلة مياه النيل و الدفاع عن حقنا فيه ؟؟ .. ربما مات لأن .. ما السبب الذي فكر فيه من خرجوا في هذه الجنازة .. هل فكر أحدهم في سبب !! .. هل فكر أحدهم في قصتين راحلتين ؟؟ .. من توقف أمام الخبر العابر ؟؟ .. كل ما أعرفه أن اثنان ماتا .. كان من الممكن أن أكون مكانهما ببساطة .. أن لا تساوي حياتي أكثر من ثمن رصاصة و كلمة دبلوماسي متأسف و خبر عابر في نهاية النشرة .. السبب أحيانا كلمة مبهمة .. مثل كلمات لغة بائدة ضاعت و تاهت في غياهب المخطوطات و الآثار .. و هذه الأشياء الحقيرة المقززة ؟؟
.. كم تساوي ؟؟
.. ما السبب الذي يحول بيني و سحقها ؟؟
.. أفرغت كوب الماء في الحوض
.. ثم أضفت السكر للشاي و قلبت .. تأكدت من غلق البرطمان جيدا
.. نظرت الي الكتلة السوداء التي شكلت جسرا ينقل الحبة الصغيرة علي طول الطريق الي الشق و ابتسمت
.. ثم أطفأت النور و غادرت المطبخ
.. في هدوء ..