عندما وصل الرجل ذو الحلة الكحلية القديمة و الحقيبة الجلدية المتواضعة المحطة ذاك الوقت المتأخر .. لم يكن هناك أحد .. باستثناء الرجل النحيل الشاحب .. و الذي بدا في حال مزرية من العناء و الارهاق .. للوهلة الأولي تعجب الرجل من جلوسه في محطة انتظار الاتوبيس شعبية الجمهور .. و في هذا الآن .. بدت حلته الفاخرة كزهرة يانعة في أرض جرداء بائرة .. أما حقيبته فقد كان واضحا أن الرجل ذو الحلة الكحلية القديمة بحاجة للادخار شهورا طويلة لو أراد أن يشتري مثلها .. يوحي المنظر بأن داخلها و لابد حسابات مهمة لبنك معروف أو مستندات خطيرة لشركة أعمال كبري .. أو بأضعف الأحوال أوراقا تخص مكتبا كبيرا للمحاماة أو مستشارا مرموقا .. في نظرته الثانية المتفحصة اكتشف الرجل ذو الحلة الكحلية الكثير في رفيق المحطة الوحيد .. العرق الذي يلصق قميصه الأنيق بجسده .. و الحالة القذرة لحذائه و أسفل بنطلونه .. غير النظرة الزائغة في عينيه و رأسه المطئطئة و خصلات شعره المبعثرة .. واضح بلا شك أنه خاض شجارا عنيفا للتو أو مشي في شوارع قذرة لساعات .. تقدم الرجل بثبات حتي جلس علي مقعد الانتظار البعيد يفصله عنه المقاعد الثلاث الشاغرة .. و نظر مجددا الي يمينه حيث المشهد العجيب مثل معجزة لم يراها تحدث لأكثر من عشرين عاما ارتاد فيها محطات الاتوبيس .. أدرك هذه المرة أن بين يدي الشاب الأنيق في الثلاثينيات شيئا كان يخفيه .. ثم لم يلبث أن أزاح يده المتراخية عنه .. رأي الصوة الفوتوغرافية الكبيرة .. و نظرات الرجل الزائغة تغوص فيها .. رآه يدس يده في جيبه ليخرج منها ميدالية فضية .. يضعها فوق الصورة و يحدق بها قبل أن تغرق دموعه المنفجرة وجهه دون انذار .. نظر اليه لثانية قبل أن ينهض بلا تردد و يجلس جواره مباشرة .. و يتمتم : مالك يا سعادة البيه .. انت تعبان ؟؟ .. لم يسمع اجابة سوي نهنهته المستمرة و شهقاته المختنقة .. مد راحة يده حتي وضعها علي فخذه بلا تكلف .. و تسائل بنبرة دافئة : حاجة بتوجعك ؟؟ .. تراخت يدا الرجل فوق الصورة و الميدالية .. و لفت وجهه اليه و تكلم من بين عبراته شاردا كأنه يتحدث الي نفسه : ابني .. ابني الوحيد مات من شهر .. كان عنده تسع سنين و مات .. حدق به الرجل لثوان في صمت قبل أن يتمتم بخفوت : ما .. ما .. مات .. ابنك .. و تابع الآخر و دموعه تتساقط لتنقر الاشياء في يديه : من شهر واحد بس .. و توقف لحظة قبل أن يتابع بنبرته الملتاعة : الصبح جاله صداع و الصبح التاني مات .. ما عملوش حاجة .. و لا لحقوا يفهموا حتي .. و لا حد فهم حاجة .. ولا حد فهم .. ظل يكرر الجملة الأخيرة و هو ينفجر هذه المرة بعنف غير مسبوق .. وجد الرجل يده تربت بآلية علي فخذه ثم علي كتفه و هو ينظر الي الصورة التي تهرئت بين تقلصات أصابعه .. و يتمتم بكلمات تلقائية عن العزاء و الصبر و الرحمة .. تركه أخيرا عندما توقف عن البكاء و ظل علي شروده وتحديقه الذاهل .. اعتدل هو أيضا في جلسته ليحدق في الطريق الخالي أمامه .. بديا تحت الاضاءة الحمراء الخافتة في قلب الصمت كتمثالين عتيقين في قلب المحطة الصغيرة .. و أخيرا .. شق الصمت العظيم كلمتي الرجل ذو الحلة الكحلية واضحتين في نبرته المتماسكة الصريحة : و ايه يعني ؟؟ .. قالها ثم تابع مجددا بنفس القوة : و ايه يعني ؟؟ .. التفت الآخر اليه مع تكراره العبارة في تساؤل اجباري .. هل هومعتوه يكلم نفسه أو أنه يعنيه بالحديث .. وعندها التفت اليه الرجل ذو الحلة الكحلية : وايه يعني لما ابنك يموت .. و تابع بهدوء الواثق : الناس بتموت كل يوم .. و كل لحظة .. في كل مكان .. و بألف وسيلة أبشع كتير من موت ابنك .. اللي ما اتالمش اكترمن يوم واحد .. و لو عاش .. مكنش أكيد هيحل مشاكل العالم أو يقضي علي الفساد .. أو يمنع الشر .. مكنش بالضرورة هيخلي بلدنا تتقدم .. و لا يحل مشاكلها الاقتصادية .. او يجدد الحب في شوارعها .. يمكن كان هيبقي عبء جديد علي مأساة شنيعة و مش بعيد يشارك في صناعتها .. ابنك كان صغير أوي لسه .. كان واحد من احتمالين و لما يموت بيموت احتمال سئ زي ما بيموت احتمال جميل .. نظر اليه الرجل بذهول غلب الغضب في ملامحه و هو يتكلم : انت مجنون .. عاجله الآخر و هو يقترب منه و يتشبث بذراعه : لا مش مجنون .. الجنون هو الانانية اللي بتعمينا فتخلينا نشوف الأمور زي ما احنا عاوزين مش علي حقيقتها .. الجنون هو رغبة عمياء بتخليك تتصور نفسك ملك ملوك يقدر يستحوذ علي كل شئ .. بيتك و بدلتك و عربيتك و حتي ابنك .. ما تستوعبش انه ممكن يموت و يسيبك زي ما أي حد تاني ممكن يموت .. يمكن يكون ابنك بالنسبة لك كل العطف و كل الحب في قلبك .. لكنه بالنسبة للدنيا جزء .. جزء صغير من ملايين العواطف و الطاقات اللي بتسري في الدنيا كلها .. ابنك مجرد تعبير عن عطفك و حبك .. هو شكل بتتحقق فيه الحاجة الجميلة اللي بتربطك بالعالم و الناس .. لكن مش هو الغرض الأخير ابدا .. و مادام جواك عاطفة يبقي الدنيا كلها تستحقها .. مش لازم تموت جواك عشان مش مرتبطة بدمك و لحمك .. مش لازم تموت لانك أناني وضيع ضايع في الشوارع عشان مش قادر ينقذ حبه من أنانيته و يمنحه لعالم اكبر من نفسه كتير .. نظر اليه الرجل الآخر لوهلة محاولا استيعاب الكلمات التي تتابعت دون لحظة توقف كطلقات مدفع صاروخية من فم الرجل المتحمس .. قبل أن يسحب يده بقوة و يصرخ فيه : مجنون .. حيوان .. ثم ينهض مندفعا من مقعده و يلتفت ليصرخ فيه : باقولك ابني الوحيد ضاع مني في يوم وانت بتكلمني عن مشاكل العالم و الفساد .. ومش عارف ايه .. انا .. انا أناني .. ابني الوحيد ضاع بعد تسع سنوات و ابقي انا اناني و مجنون و .. و .. لا دا انت حيوان حقير .. مش عارف ايه اللي قعدني جنبك .. ازاي اتكلمت معاك .. ايه جابني هنا اساسا .. اندفع الرجل ممسكا بحقيبته و هو يفتحها و نهض ليواجهه و يتابع كأنه لم يسمعه : اسمعني انت كويس .. انت فاهم انا قلت ايه كويس .. و انا عاوز اساعدك صدقني .. مش كان هيبقي لك ابن تربيه و تصرف عليه و تكبره عشان تشوفه أسعد و احسن واحد .. ممكن تعمل كده مع عشرات .. مع مئات .. ممكن كل يوم تنقذ حياة من الدمار و تساعد ولد عشان يعيش و يتعلم و يكون أحسن لنفسه و للدنيا كلها .. هتساعده اكتر مليون مرة من مساعدتك لابنك .. لانه مكنش محظوظ و لقي كل الظروف الممتازة اللي ابنك لقاها .. قالها و هو يدس يده بسرعة في جيبه و يرفعها محملة بمجموعة من الكروت الورقية .. بينما استحال كثير من الانفعال في وجه الرجل تساؤلا و هو يتمتم : بتقول ايه .. ايه ده .. اجابه بسرعة : ده جمعية خيرية لكفالة و تأهيل الايتام و دي مؤسسة بتساعد الأسر الفقيرة و دي مراكز لتدريب المعاقين و تطوير قدراتهم .. و دي حضانة مجانية لاولاد ناس محتاجين و دي جمعيات .. قاطعه مبهوتا : ايه دا كله .. انت مندوب جمعيات .. و عايزني .. عايزني أعمل ايه .. لا انت مجنون رسمي .. قالها و هو يتراجع خطوات في مقابلته و يهم بالابتعاد لكن الآخر لاحقه بقوة و امسك بذراعه و هو ينظر الي عينيه : صدقني يا باشمهندس .. ممكن عالاقل تجرب و شوف هتحس بايه .. يمكن مشكلتك مش في ابنك لكن مع نفسك .. ما دام حبيته يبقي تقدر تحب الناس كلهم و تقدر تحب الخير نفسه .. لكنك محتاج تجرب عشان تقدر تخرج من نفسك .. صدقني يا باشمهندس .. الانانية و العطاء وجهين لنفس العملة .. لكن احنا اللي بنفضل العمي و ما نرضاش نقلب العملة .. حاول تبص للوش التاني .. وصدقني هترتاح من عذابك .. نظر اليه الرجل في صمت لثوان .. ثم نزع ذراعه من يده بهدوء .. و واصل تراجعه حتي ابتعد ليغيب في الظلام .. عاد الرجل ليجلس وحيدا في المحطة .. تقطع خلوته سيارة مارقة كصاروخ بين دقيقة و أخري .. نظر الي ساعته في ملل .. ثم انتبه الي بعض الكروت التي سقطت أثناء حواره مع الرجل الآخر .. قبل أن يهم بالقيام .. لمح ذلك الظل القادم و انتظر .. كان الرجل الآخر عائدا يتقدم ببطء .. حتي أصبح علي بعد خطوات قليلة .. كانت الصورة لا تزال في يده .. رأي هو أيضا الكروت الملقاة علي الأرض .. دس الصورة في جيب الجاكيت .. ثم نظر اليه قبل أن ينحني ليلتقط الكروت الملقاة علي الأرض .. و يقلب فيها .. ثم يتمتم : بتشتغل فين هنا .. اجابه : لا أنا مدرس .. مدرس عربي .. لكن باحب اساعد .. المسألة تستحق .. نظر اليه مرة أخيرة ثم ابتعد دون كلمة .. ابتسم الجالس في مودة و هو يصيح : هتروح مشي و لا ايه .. الاتوبيس الأخير جاي .. لوح له الآخر و قد اصبح في عرض الطريق : انا راكن آخر الشارع .. لوح له مودعا و تابعه ببصره حتي غاب .. ثم اعتدل في مقعده و تصلب في جلسته لدقائق .. كان وحده في قلب الصمت و البرد و الضوء الضعيف منتظرا .. التقط الحقيبة الجلدية الي جواره و فتحها .. و مد يده الي جيب داخلي التقط منه قلم رصاص صغير .. ثم صورة فوتوغرافية صغيرة وضعها بين أنامله و حدق بها مبتسما ..
.. ..
.. ..
بعد دقائق قليلة وصل الاتوبيس الأخير لهذه الليلة و توقف أمام المحطة مباشرة .. نزل منه أربعة ركاب .. و تحرك الأتوبيس دون أن يستقبل اي راكب جديد .. و نظر الأربعة الي مقعد المحطة في عجب .. كان الرجل الوحيد هناك يبدو في اواخر الأربعينات و يرتدي حلة كحلية قديمة و يرتجف جسده كله و هو يستغرق في نحيب مكتوم .. اقترب الأربعة منه بسرعة و تسائل أحدهم : مالك يا أستاذ .. تعبان .. ايه وجعك .. لم يجب الرجل أو يرفع بصره اليه و هو يحدق في صورة فوتوغرافية قديمة .. نظر الرجل من فوق كتفه ليراها لطفل في الثامنة أو التاسعة من عمره يلوح بيده مبتسما من وقفته امام باب مدرسة .. اقترب الرجل منه مستفسرا : طيب بيتك قريب من هنا .. صدم في اقترابه تلك الحقيبة الجلدية التي سقطت علي الأرض و تناثرت منها بعض الكروت المطبوعة .. التقط أحدهم بعضها و قلب فيها .. سأله اخر : ايه دي .. رد و هو يقلب : كروت لجمعيات ايتام و كفالة و معاقين و مكفوفين و .. قاطعه بنبرة فضولية لزجة : و دا بيعمل ايه بكل ده .. اجابه بعصبية : مش عارف .. ماتسأله هو يا اخي .. تحلق الأربعة حوله يحاولون دون جدوي تهدئته واستخراج كلمات مفهومة منه .. أو لفت انتباهه بعيدا عن الصورة .. غير أنه أخيرا رفع بصره لأعلي صارخا بصوت متحشرج باسم لم يتبينوه .. ثم عاد ينفجر في عبراته و كفاه تعتصران الصورة القديمة .. و واحدا منهم .. لم يستطع ابدا ايقافه


