Thursday, November 5, 2009

الخدعة


عندما وصل الرجل ذو الحلة الكحلية القديمة و الحقيبة الجلدية المتواضعة المحطة ذاك الوقت المتأخر .. لم يكن هناك أحد .. باستثناء الرجل النحيل الشاحب .. و الذي بدا في حال مزرية من العناء و الارهاق .. للوهلة الأولي تعجب الرجل من جلوسه في محطة انتظار الاتوبيس شعبية الجمهور .. و في هذا الآن .. بدت حلته الفاخرة كزهرة يانعة في أرض جرداء بائرة .. أما حقيبته فقد كان واضحا أن الرجل ذو الحلة الكحلية القديمة بحاجة للادخار شهورا طويلة لو أراد أن يشتري مثلها .. يوحي المنظر بأن داخلها و لابد حسابات مهمة لبنك معروف أو مستندات خطيرة لشركة أعمال كبري .. أو بأضعف الأحوال أوراقا تخص مكتبا كبيرا للمحاماة أو مستشارا مرموقا .. في نظرته الثانية المتفحصة اكتشف الرجل ذو الحلة الكحلية الكثير في رفيق المحطة الوحيد .. العرق الذي يلصق قميصه الأنيق بجسده .. و الحالة القذرة لحذائه و أسفل بنطلونه .. غير النظرة الزائغة في عينيه و رأسه المطئطئة و خصلات شعره المبعثرة .. واضح بلا شك أنه خاض شجارا عنيفا للتو أو مشي في شوارع قذرة لساعات .. تقدم الرجل بثبات حتي جلس علي مقعد الانتظار البعيد يفصله عنه المقاعد الثلاث الشاغرة .. و نظر مجددا الي يمينه حيث المشهد العجيب مثل معجزة لم يراها تحدث لأكثر من عشرين عاما ارتاد فيها محطات الاتوبيس .. أدرك هذه المرة أن بين يدي الشاب الأنيق في الثلاثينيات شيئا كان يخفيه .. ثم لم يلبث أن أزاح يده المتراخية عنه .. رأي الصوة الفوتوغرافية الكبيرة .. و نظرات الرجل الزائغة تغوص فيها .. رآه يدس يده في جيبه ليخرج منها ميدالية فضية .. يضعها فوق الصورة و يحدق بها قبل أن تغرق دموعه المنفجرة وجهه دون انذار .. نظر اليه لثانية قبل أن ينهض بلا تردد و يجلس جواره مباشرة .. و يتمتم : مالك يا سعادة البيه .. انت تعبان ؟؟ .. لم يسمع اجابة سوي نهنهته المستمرة و شهقاته المختنقة .. مد راحة يده حتي وضعها علي فخذه بلا تكلف .. و تسائل بنبرة دافئة : حاجة بتوجعك ؟؟ .. تراخت يدا الرجل فوق الصورة و الميدالية .. و لفت وجهه اليه و تكلم من بين عبراته شاردا كأنه يتحدث الي نفسه : ابني .. ابني الوحيد مات من شهر .. كان عنده تسع سنين و مات .. حدق به الرجل لثوان في صمت قبل أن يتمتم بخفوت : ما .. ما .. مات .. ابنك .. و تابع الآخر و دموعه تتساقط لتنقر الاشياء في يديه : من شهر واحد بس .. و توقف لحظة قبل أن يتابع بنبرته الملتاعة : الصبح جاله صداع و الصبح التاني مات .. ما عملوش حاجة .. و لا لحقوا يفهموا حتي .. و لا حد فهم حاجة .. ولا حد فهم .. ظل يكرر الجملة الأخيرة و هو ينفجر هذه المرة بعنف غير مسبوق .. وجد الرجل يده تربت بآلية علي فخذه ثم علي كتفه و هو ينظر الي الصورة التي تهرئت بين تقلصات أصابعه .. و يتمتم بكلمات تلقائية عن العزاء و الصبر و الرحمة .. تركه أخيرا عندما توقف عن البكاء و ظل علي شروده وتحديقه الذاهل .. اعتدل هو أيضا في جلسته ليحدق في الطريق الخالي أمامه .. بديا تحت الاضاءة الحمراء الخافتة في قلب الصمت كتمثالين عتيقين في قلب المحطة الصغيرة .. و أخيرا .. شق الصمت العظيم كلمتي الرجل ذو الحلة الكحلية واضحتين في نبرته المتماسكة الصريحة : و ايه يعني ؟؟ .. قالها ثم تابع مجددا بنفس القوة : و ايه يعني ؟؟ .. التفت الآخر اليه مع تكراره العبارة في تساؤل اجباري .. هل هومعتوه يكلم نفسه أو أنه يعنيه بالحديث .. وعندها التفت اليه الرجل ذو الحلة الكحلية : وايه يعني لما ابنك يموت .. و تابع بهدوء الواثق : الناس بتموت كل يوم .. و كل لحظة .. في كل مكان .. و بألف وسيلة أبشع كتير من موت ابنك .. اللي ما اتالمش اكترمن يوم واحد .. و لو عاش .. مكنش أكيد هيحل مشاكل العالم أو يقضي علي الفساد .. أو يمنع الشر .. مكنش بالضرورة هيخلي بلدنا تتقدم .. و لا يحل مشاكلها الاقتصادية .. او يجدد الحب في شوارعها .. يمكن كان هيبقي عبء جديد علي مأساة شنيعة و مش بعيد يشارك في صناعتها .. ابنك كان صغير أوي لسه .. كان واحد من احتمالين و لما يموت بيموت احتمال سئ زي ما بيموت احتمال جميل .. نظر اليه الرجل بذهول غلب الغضب في ملامحه و هو يتكلم : انت مجنون .. عاجله الآخر و هو يقترب منه و يتشبث بذراعه : لا مش مجنون .. الجنون هو الانانية اللي بتعمينا فتخلينا نشوف الأمور زي ما احنا عاوزين مش علي حقيقتها .. الجنون هو رغبة عمياء بتخليك تتصور نفسك ملك ملوك يقدر يستحوذ علي كل شئ .. بيتك و بدلتك و عربيتك و حتي ابنك .. ما تستوعبش انه ممكن يموت و يسيبك زي ما أي حد تاني ممكن يموت .. يمكن يكون ابنك بالنسبة لك كل العطف و كل الحب في قلبك .. لكنه بالنسبة للدنيا جزء .. جزء صغير من ملايين العواطف و الطاقات اللي بتسري في الدنيا كلها .. ابنك مجرد تعبير عن عطفك و حبك .. هو شكل بتتحقق فيه الحاجة الجميلة اللي بتربطك بالعالم و الناس .. لكن مش هو الغرض الأخير ابدا .. و مادام جواك عاطفة يبقي الدنيا كلها تستحقها .. مش لازم تموت جواك عشان مش مرتبطة بدمك و لحمك .. مش لازم تموت لانك أناني وضيع ضايع في الشوارع عشان مش قادر ينقذ حبه من أنانيته و يمنحه لعالم اكبر من نفسه كتير .. نظر اليه الرجل الآخر لوهلة محاولا استيعاب الكلمات التي تتابعت دون لحظة توقف كطلقات مدفع صاروخية من فم الرجل المتحمس .. قبل أن يسحب يده بقوة و يصرخ فيه : مجنون .. حيوان .. ثم ينهض مندفعا من مقعده و يلتفت ليصرخ فيه : باقولك ابني الوحيد ضاع مني في يوم وانت بتكلمني عن مشاكل العالم و الفساد .. ومش عارف ايه .. انا .. انا أناني .. ابني الوحيد ضاع بعد تسع سنوات و ابقي انا اناني و مجنون و .. و .. لا دا انت حيوان حقير .. مش عارف ايه اللي قعدني جنبك .. ازاي اتكلمت معاك .. ايه جابني هنا اساسا .. اندفع الرجل ممسكا بحقيبته و هو يفتحها و نهض ليواجهه و يتابع كأنه لم يسمعه : اسمعني انت كويس .. انت فاهم انا قلت ايه كويس .. و انا عاوز اساعدك صدقني .. مش كان هيبقي لك ابن تربيه و تصرف عليه و تكبره عشان تشوفه أسعد و احسن واحد .. ممكن تعمل كده مع عشرات .. مع مئات .. ممكن كل يوم تنقذ حياة من الدمار و تساعد ولد عشان يعيش و يتعلم و يكون أحسن لنفسه و للدنيا كلها .. هتساعده اكتر مليون مرة من مساعدتك لابنك .. لانه مكنش محظوظ و لقي كل الظروف الممتازة اللي ابنك لقاها .. قالها و هو يدس يده بسرعة في جيبه و يرفعها محملة بمجموعة من الكروت الورقية .. بينما استحال كثير من الانفعال في وجه الرجل تساؤلا و هو يتمتم : بتقول ايه .. ايه ده .. اجابه بسرعة : ده جمعية خيرية لكفالة و تأهيل الايتام و دي مؤسسة بتساعد الأسر الفقيرة و دي مراكز لتدريب المعاقين و تطوير قدراتهم .. و دي حضانة مجانية لاولاد ناس محتاجين و دي جمعيات .. قاطعه مبهوتا : ايه دا كله .. انت مندوب جمعيات .. و عايزني .. عايزني أعمل ايه .. لا انت مجنون رسمي .. قالها و هو يتراجع خطوات في مقابلته و يهم بالابتعاد لكن الآخر لاحقه بقوة و امسك بذراعه و هو ينظر الي عينيه : صدقني يا باشمهندس .. ممكن عالاقل تجرب و شوف هتحس بايه .. يمكن مشكلتك مش في ابنك لكن مع نفسك .. ما دام حبيته يبقي تقدر تحب الناس كلهم و تقدر تحب الخير نفسه .. لكنك محتاج تجرب عشان تقدر تخرج من نفسك .. صدقني يا باشمهندس .. الانانية و العطاء وجهين لنفس العملة .. لكن احنا اللي بنفضل العمي و ما نرضاش نقلب العملة .. حاول تبص للوش التاني .. وصدقني هترتاح من عذابك .. نظر اليه الرجل في صمت لثوان .. ثم نزع ذراعه من يده بهدوء .. و واصل تراجعه حتي ابتعد ليغيب في الظلام .. عاد الرجل ليجلس وحيدا في المحطة .. تقطع خلوته سيارة مارقة كصاروخ بين دقيقة و أخري .. نظر الي ساعته في ملل .. ثم انتبه الي بعض الكروت التي سقطت أثناء حواره مع الرجل الآخر .. قبل أن يهم بالقيام .. لمح ذلك الظل القادم و انتظر .. كان الرجل الآخر عائدا يتقدم ببطء .. حتي أصبح علي بعد خطوات قليلة .. كانت الصورة لا تزال في يده .. رأي هو أيضا الكروت الملقاة علي الأرض .. دس الصورة في جيب الجاكيت .. ثم نظر اليه قبل أن ينحني ليلتقط الكروت الملقاة علي الأرض .. و يقلب فيها .. ثم يتمتم : بتشتغل فين هنا .. اجابه : لا أنا مدرس .. مدرس عربي .. لكن باحب اساعد .. المسألة تستحق .. نظر اليه مرة أخيرة ثم ابتعد دون كلمة .. ابتسم الجالس في مودة و هو يصيح : هتروح مشي و لا ايه .. الاتوبيس الأخير جاي .. لوح له الآخر و قد اصبح في عرض الطريق : انا راكن آخر الشارع .. لوح له مودعا و تابعه ببصره حتي غاب .. ثم اعتدل في مقعده و تصلب في جلسته لدقائق .. كان وحده في قلب الصمت و البرد و الضوء الضعيف منتظرا .. التقط الحقيبة الجلدية الي جواره و فتحها .. و مد يده الي جيب داخلي التقط منه قلم رصاص صغير .. ثم صورة فوتوغرافية صغيرة وضعها بين أنامله و حدق بها مبتسما ..
.. ..
.. ..
بعد دقائق قليلة وصل الاتوبيس الأخير لهذه الليلة و توقف أمام المحطة مباشرة .. نزل منه أربعة ركاب .. و تحرك الأتوبيس دون أن يستقبل اي راكب جديد .. و نظر الأربعة الي مقعد المحطة في عجب .. كان الرجل الوحيد هناك يبدو في اواخر الأربعينات و يرتدي حلة كحلية قديمة و يرتجف جسده كله و هو يستغرق في نحيب مكتوم .. اقترب الأربعة منه بسرعة و تسائل أحدهم : مالك يا أستاذ .. تعبان .. ايه وجعك .. لم يجب الرجل أو يرفع بصره اليه و هو يحدق في صورة فوتوغرافية قديمة .. نظر الرجل من فوق كتفه ليراها لطفل في الثامنة أو التاسعة من عمره يلوح بيده مبتسما من وقفته امام باب مدرسة .. اقترب الرجل منه مستفسرا : طيب بيتك قريب من هنا .. صدم في اقترابه تلك الحقيبة الجلدية التي سقطت علي الأرض و تناثرت منها بعض الكروت المطبوعة .. التقط أحدهم بعضها و قلب فيها .. سأله اخر : ايه دي .. رد و هو يقلب : كروت لجمعيات ايتام و كفالة و معاقين و مكفوفين و .. قاطعه بنبرة فضولية لزجة : و دا بيعمل ايه بكل ده .. اجابه بعصبية : مش عارف .. ماتسأله هو يا اخي .. تحلق الأربعة حوله يحاولون دون جدوي تهدئته واستخراج كلمات مفهومة منه .. أو لفت انتباهه بعيدا عن الصورة .. غير أنه أخيرا رفع بصره لأعلي صارخا بصوت متحشرج باسم لم يتبينوه .. ثم عاد ينفجر في عبراته و كفاه تعتصران الصورة القديمة .. و واحدا منهم .. لم يستطع ابدا ايقافه

Wednesday, September 30, 2009

.
.
.
قال الشيخ عبد ربه التائه : جائني قوم و قالوا انهم توقفوا حتي يعرفوا معني الحياة فقلت لهم تحركوا دون ابطاء فالمعني كامن في الحركة
.
.. نجيب محفوظ .. من أصداء السيرة الذاتية
.
.
ما ضحكتش طول الفيلم !!! .. مع ان نفس الاحداث ضحكتني قبل كده مليون مرة .. و عرفت السبب .. مكانش عندي اطلاقا اي استعداد للضحك .. و مش قادر أنسي .. و ساعتها فكرت .. ليه الافلام الهزلية بتعمل ايرادات خيالية .. مش عشان بيعرفوا يضحكوا .. لكن علشان اللي بيدفعوا لهم الملايين مستعدين يقطعوا تذاكر و يقعدوا ساعتين يضحكوا .. أو حتي يفتعلوا الضحك .. مش هتفرق
.
.
استثمار .. استثمار .. استثمار
.. مش مهم انت بتعرف ايه .. أو شهادتك ايه .. أو عاوز تشتغل في ايه .. مش مهم تكون بتصنع حاجة .. او بتزرع .. أو بتبيع .. مش مهم تكون بتشتغل أي حاجة أو بتنتج أي حاجة .. ما دام تقدر تبيع أي حاجة في بيتك .. لو حتي هدومك .. مش مهم برده .. اديهالي و اقعد انت .. مش مهم برده أنا هاعمل بيها ايه .. المهم اني هارجع لك فلوسك كسبانة .. و انت تقدر تكررها و انت قاعد في بيتك .. تقدر تكون مستثمر
.
.
ما فهمتش سر انبهاره و هو بيشاور ع الراجل اللي أخد وقت طويل جدا عشان يوصل للكرسي علي رصيف القهوة .. كان عنده حوالي تسعين سنة .. لكني ما انبهرتش زيه .. انا راجل عجوز .. وطفل مسكين .. وشاب طايش .. ما انا كل دول
.
.
لما الراجل في عربية المترو قطع موعظته الدينية الحماسية فجأة و ختمها بالسلام بسرعة .. مكنتش محتاج التفت عشان
اعرف اللي حصل .. لقي كرسي فاضي
.
.
بص السباك لقلب الحنفية القديم مرة واحدة وادهولي : متاكل خالص لازم يتغير .. مسكت القلب .. بصيت له انا كمان و
لاحظت الاجزاء المصدية جواه .. اتكلمت كأني باقول لنفسي : يعني ما ينفعش تركب له أكرة و خلاص .. رد بتمكن واثق و هو يشير اليه : لما القلب يكون مهري كده مش هتنفعه أكر .. بص متاكل ازاي .. الأكرة هتمسك في ايه ؟؟ ..

Sunday, September 13, 2009

.
.
.
مش كفاية
.
؟؟؟
.
.

Saturday, July 25, 2009

أن تكون .. هي

.
اجتذبتني الخواطر المنقوشة بلغة شعرية جميلة للكاتبة و الأديبة " عائشة أبو النور " المنشورة في عمود 7 أيام في عدد الثلاثاء الماضي من المصري اليوم نشرتها بعنوان " قصة قصيرة من حياة طويلة " .. أنقلها كما هي دون تعليق لمن رحل معها في القطار السريع .. و أيضا لمن تمني .. من موقعه بين براثن الشباك
.
.
.**********
..
..
قصة قصيرة من حياة طويلة
*
*
*
لا أدري ماذا أقول لك ولا بأى لغة مفهومة يمكننى أن أصيغ ذلك السلوك غير المفهوم.من قال إن قواميس اللغات الحية استطاعت أن تعطى تعبيراً دقيقاً لكل تلك الرموز والطلاسم المتعلقة بنفس الإنسان المليئة بالغرائب؟! إذا صح ما يدعيه العلماء من أن لكل شعور سلوكاً.. ولكل سلوك صفة.. فبأى صفة وأى لغة أستطيع أن أصف لك تلك الحالة العجيبة التى انتابتنى فجأة.. ودفعتنى للقفز خارج ذلك القارب الصغير الذى كان يجمعنا معاً فجأة، لأسبح فى النهر العميق ضد التيار، وأسعى بكل جموحى واندفاعى نحو مستقبل مجهول الهوية، أرتاد فيه الطرق الوعرة وحدى . سامحنى، هذه هى الكلمة الوحيدة فى قاموس اللغة التى أجدها تعبر فى صدق عما أشعر به حالياً
. .
أنا الآن أجلس داخل عربة القطار المسرع الذى يحملنى إلى محطات الغيب، وأكتب لك.سامحنى، فكان لابد أن أغادر أمانك المغرق فى الرتابة، وأن أهجر حنانك الذى يسقطنى فى بحر البلادة، وحبك الذى يأسرنى كسمكة انتزعها صياد من عالمها الطبيعى فى أعماق البحر وقيدها، بعد أن لفها فى شباك صيده، وادعى أنه إنما يحميها من حيتان البحر المفترسة، وكأنه لا يدرى أنه أصدر حكمه عليها بالموت البطىء
..
أنا الآن أركب القطار المسرع فى اتجاه حريتى ، يا لحظى السعيد ، سوف أعود لأرتدى عينى الطبيعيتين اللتين سلبتهما منى بعد أن ألبستنى عينيك ذات الغمامة الرمادية، آه ، كم أنا فرحة الآن وأنا أشعر بأننى تخففت أخيراً من حمل ثقيل.. ثقيل.. كان يجثم على صدرى ويشل حركتى .
..
ما أجمل أن يتخفف الإنسان من عبء الآخر الذى التصق بجلده، بدعوى القوانين الاجتماعية ، وظل جسماً غريباً يتبع كل تحركاته وكأنه ظله . حمداً لله ، لقد أصبحت أتحرك ولى ظل واحد بعد أن كان - بوجودك - لى اثنان . الآن أشعر بأننى خفيفة كنسمة.. حرة كفراشة.. أنام وأصحو وقتما أشاء، أسير بلا هدف، أتوه فى الزحام ، ولا أحد يحاسبنى . أخيراً استعدت ملكية نفسى بعد أن استعدت كيانى الذى استعرته منى لزمن طويل.. طويل . الآن أعود وحدة واحدة، كما كنت قبل أن تحتلنى وتقوم بعملية تجزئتى إلى دويلات مقسمة
..
. أكتب لك الآن من حضن القطار الذى يهدهدنى كحضن أمى ، لأخبرك عن نبئى، لقد سقطت الغمامة أخيراً عن عينى، وأصبحت أبصر، عندئذ قررت أن أهرب، لا إلى حيث أجد رجلاً غيرك.. ولكن إلى حيث أجد نفسى.... فهل تفهمني ؟؟

Sunday, July 19, 2009

أنت أيضا .. تساوي المليون

.
.
.
يمكنك أن تقضي حياتك تمسح الأرضيات و تغسل الأطباق و تلملم فتات الموائد
.. و يمكنك أن تناضل بكل ما تملك من أجل فرصة .. فقط فرصة .. تحتمل الفوز.. و تحتمل الخسران
.. لكن
.. ماذا لو احتمل الثمن حياتك ذاتها ؟؟
.. ماذا لو خسرت عمرك القادم أمام مجازفة غير مأمونة ؟؟
.. هل يساوي الصعود الي القمة مخاطرة التضحية بكل شئ ؟؟
أم أن حياتك التافهة الآمنة المضمونة أغلي .. فهي علي كل حال .. حياة ؟؟
.. ما قرارك الآن يا صديقي ؟؟ : ستستميت لتقطع طريقك مهما يكن الثمن
.. ستقاتل من أجل الفرصة العسيرة
.. ستموت في سبيل حياة عظيمة
.. أو ستقضي عمرك الآمن
.. ماسحا للأرضيات ..

.




.
.
في سيمفونيته الرائعة في الحياة و الانسانية و الحب .. يعزف كلينت ايستوود بحكمة القديرالخبير المتروي .. بهدوء الحكيم الذي هذبته التجارب و علمته الأيام .. و برصانته المعهودة لتي تغلف في قلبها صخب الانفعال .. فيصعد بك من الحلم الي الكفاح .. و من الكفاح الي الانجاز .. و من الانجاز الي المجد .. قبل أن يهوي بك مع ضربات القدرغير المفهومة .. ثم يقصم عنقك علي مقصلة التساؤل ذاهبا يايمانك العتيد .. يشركك معه في الشك بين الجحود و الايمان .. و بين العاطفة و الواجب .. و بين المجازفات الكبيرة و الحيوات التي ترحل دون أثر كالظلال .. يستثيرك لتتسائل عن معني حيانك و تراجع قلب اعتقاداتك .. و رغم الأسي الذي يعصف بقلبك في نهاية المعزوفة المأساوية فهو يحملك من قتامة اليأس الي ضياء الأمل .. و يداعبك لتنهض منتشيا تلملم شتات انفعالك مستعيدا لنفسك .. ويلهمك لتسخط و تتمرد .. علي دورك المرسوم .. بين الكومبارسات .. ا ..
.
.
علي الهامش :أبهرتني عودة د درية شرف الدين علي قناة دريم في مفاجأة سعيدة رائعة بعد رحيلها من التيلفزيون المصري الذي يعرف جيدا كيف يطيح بكفاءاته و يستفز من بقي من مشاهديه المساكين

ابتهال الي سبتمبر

.
.
.
كيف يمكنك أن تستمتع بقهوتك الساخنة وأنت تتأمل العالم من بين قطرات الندي الزاحفة علي زجاج نافذتك الخارجي في صباح أحد أيام يوليو الكارهة ؟؟؟
.
.

.. أما آن لهذا العذاب الخانق أن ينجلي ؟؟
.
.
.
اففففففففففففففففففففف

Tuesday, June 23, 2009

لمحات



عقل
..

..

تنطلق بالسيارة الي عملك صباحا .. تجد الطريق المعتاد مغلقا .. عشرات السيارات المتذمرة مثلك ..وقعت حادثة في منتصف الطريق أو تجري به اصلاحات مفاجئة ربما .. لا أحد يفهم .. لكنك تنجح في التسلل من الطريق الرئيسي الي آخر فرعي .. ثم تتوغل في الطرق الجانبية .. تدور حتي تصل الي هدفك .. اليوم التالي .. يلوح الطريق المغلق من بعيد .. تأخذ طريقك الفرعي الذي أصبح الآن متخما بالسيارات .. تتجاوزه لتبحث عن طريق أفضل جديد .. و تعود من عملك .. لتمشط المنطقة بأسرها و تكتشف طرقا لم تعرفها أبدا .. تحصي العيوب و تنتقي المميزات .. تحسب المسافات و العوائق .. تتوقع الزمن المناسب .. و تنتخب الأفضل .. انت عاقل .. تبحث عن الطريق أيا كان الهدف .. كل يوم تكتشف طريقا جديدا و تخترع اسلوبا مميزا .. كل يوم انت مبتكر مبدع .. كل يوم انت مفكر .. تخوض دوما معارك تبحث عن الاكتشافات الجديدة .. لديك دوما مشروعا يحتاج الابتكار و التطوير .. تكتشف كل يوم أراض جديدة أوسع و تنقب عن أشياء و طرق جديدة أفضل .. حياتك صراعا لذيذا لا ينقصه شغف المحاولة و لوعة الهزيمة و نشوة الانتصار .. غير أنك لا تعرف متي تحديدا .. تنسحب منك الأيام متشابهة .. و تفقد لذة الانبهار .. أو تصبح ماكينة صماء تدور في دائرة مغلقة أبدا .. قد تكتشف عن نفسك أسوأ ما فيها .. أو تفهم أن الموسيقي ليست سوي رموز تتبادل علي نوتة ورقية .. تنسي أين كانت وجهتك الرئيسية.. أو تقضي عمرك تفتش عن غاية .. و لأنك عاقل .. أنت القرار ..


قلب
..

..

الغرفة المسحورة .. لها ألف باب .. تنفتح الأبواب علي العالم فيصبح فضاء رحبا يتلون أحلي الألوان .. تحلق فيه مأخوذا حتي تمتزج به و تذوب ذوبانا .. أبدا لا تموت .. أو تغلق الابواب دون الدنيا فتغدو أضيق من ثقب المفتاح .. تري نهايتها عند قدميك .. و تموت اختناقا خلف أنفاسك الكارهة .. للغرفة سحر غامض لا تعنيه حقائق الأشياء لكنه ينتظر طرقات الأبواب فيحيل أقبح المناظر لوحات تخلب الارواح .. لا قواعد حادة تنظم ديناميكية الاحساس .. لكن جسورا حريرية تعبر الأبواب .. تصل الي الغرفة .. تقيم داخلك عامودا صلبا تتشبث به .. تطمئن به الي خلود أبدي .. لا قواعد حادة يسلكها المرء .. تحيا في كون شاسع .. أو يقتلك ترددك خلف الابواب .. او ينفجر انفعالك شطحات تافهة ضالة الطريق .. أين خيارك والقلب سحر .. و السحر موهبة .. لا يمكنك ابتياعها من الأسواق ..

..

دين
..

..

لم يعجب الأستاذ ما كان عليه التلاميذ من الأنانية المفرطة .. و رغباتهم النهمة المتنافسة في سبيل تحصيل الدرجات بأي شكل .. فقال لهم أن جزءا كبيرا من أعمال السنة سيقتطع من الامتحان النظري لنشاط عملي .. ستعطي الدرجة للوحات جميلة يقدمونها .. علي كل خمسة منهم أن يشتركوا لرسم احداها و تقديمها معا .. دون أن يكتبوا عليها أسماء تعرفهم .. ففي النهاية ستعلق لوحات الجميع علي جدران الفصل .. لتضفي منظرا بديعا علي الحوائط القاتمة .. أراد الأستاذ من الأولاد أن يلتقوا معا في بيوتهم .. يتكلموا ويلعبوا و يضحكوا .. أن يتعاونوا لجمع أدوات الرسم و التلوين .. و أن يضع كل منهم قلمه في نفس الأوراق .. أن يحصلوا علي درجات أعمال السنة هذه المرة مجتمعين دون تمييز .. الا أن أحدا لم يفهم مرماه .. قضي التلاميذ سنوات عديدة يتقنون مهارات الحساب .. و بحسبة رياضية بسيطة .. حسب كل تلميذ أن الدرجة التي ستعطي علي مجهوده مع خمسة هي حتما مضمونة مكتملة لو أنه قام بالمهمة بمفرده .. و عند موعد التسليم .. تلقي الاستاذ لوحات التلاميذ كلها .. كان عددها متساويا مع عدد التلاميذ .. أسفل كل لوحة اسم الولد الذي قدمها بنفسه .. وواحدا لم يلتفت أبدا الي أسلوب الأستاذ الغامض في التعليم .. أما المنافسة .. فاشتدت أكثر بين التلاميذ .. و الأكثر أنهم اكتسبوا مهارة خاصة لصناعة اللوحات وبالغوا في استخدام الألوان .. ألوانا مبهرجة تعلم كل منهم كيف يخطها بمفرده .. يتصور أنه يحصد بها مزيدا من الدرجات .. و ضاعت فكرة الأستاذ ..


تطرف
..

..

تستيقظ من نومك صباحا .. بلا اندهاش .. و باحكام اليوم السابق .. تتناول الافطارالمعتاد .. تاخذ الطريق المعتاد الي عملك .. تلعن كل الحمقي المتسببين في زحام الطرقات .. تحتقر تحيات البواب و عمال المصعد و البوفيه .. تستعد لمهام اليوم الجديدة .. تتذكر بالسخط والدك الذي أورثك الرضا و الاقتناع .. تبتسم نفس الابتسامات المفتعلة لزملاء العمل و تشاركهم الأحاديث المعتادة لتقول آرائك المعتادة .. تتحين الفرص لافتعال الشجارات و صب غضبك علي اهمالهم و حماقاتهم .. تصرخ في الاطفال الواقفين في الاتوبيس ليكفوا عن احداث الضجيج .. و تتحسر بلا مناسبة علي الأخلاق التي تلاشت من الشوارع .. تنتقد زوجتك لتأخرها بعد العمل رغم أنها لم تتأخر .. و تعنف ابنك لنصف الدرجة الناقصة في امتحان الشهر .. و تسرف في متابعة البرامج الهزلية .. أو الأفلام المغرقة في الخيال .. تقضي معظم يومك في القراءة .. أو في الجلوس أمام شاشة حاسب .. و عندما تستعرض الاحوال مع أصدقائك ليلا .. تتأهب لمخالفتهم في الرأي علي الدوام .. و تتشبث بآرائك حتي تثبتها .. أو تنسحب من حوار غير بناء اذ يتمسك كل منهم برأيه الخاص .. تقضي يومك وحيدا مع حيواناتك الأليفة في المنزل .. و تحكم اغلاق نوافذ سيارتك .. و تراقب العالم من خلف زجاج مكتبك " الفاميه " تراه جيدا بعيونك التي ترفض أن يراها الآخرين .. تتقاعس عن البذل حتي يخنقك الأخذ .. و تحيل الأنانية حبك نهما للامتلاك .. تحب حتي تكره .. و تكره .. حتي لا يصبح في قلبك منفذا للنور ..
ليس عسيرا أبدا أن تتطرف .. وليس ضروريا أن تصم الآخرين بالكفر أو تحمل قنبلة لتنسفهم .. يكفي أن تلتصق بايمانك القديم و اعتقاداتك الأولية .. فلا تراجعها أو تعيد التفكير في بنائها .. يكفي أن تخلق من عقدك القديمة حجرة معتمة محصنة .. تقبع داخلها وحيدا موثوقا محتميا من رياح التجارب و التغييرات .. ثم تتلذذ باسقاط فشلك في حلها علي الآخرين .. ثم تضع قناعا باردا علي وجهك .. تستسهل التظاهر بايمانك بنفسك و التهويل منها علي أن تصبح شخصا جديدا مختلف .. شخصا أفضل ربما .. لكنه يكلف الكثير .. يكلفك أن تضحي بسنوات من الاعتقادات و الذكريات .. و يكلفك مجهودا جبارا للتحلل من عقدك العقيمة و أنانيتك العمياء .. أن تنسل في مرونة من الحبال المحكمة حول رأسك .. ثم تلتفت لتواجهها كأنك شخص آخر غريب .. تحاول أن تفندها وتفهمها بعيون جديدة خالية من الألوان .. تمد يدك تتحسسها بشجاعة .. تتلمس مواضع العطب و الأمراض .. تفكر في العلاج .. و لا تكون جبانا ضعيفا .. فتهرب من أول مواجهة .. ربما كان طريق التطرف أبسط مما يبدو .. ربما لا يستلزم حتما البحث عن القنابل .. ربما يكفي أن تودع يومك لاعنا كل من حولك .. و ساخطا علي الظروف السيئة التي أفرزت هذه المأساة .. ثم تنام لتستيقظ صباحا .. بلا اندهاش .. و باحكام اليوم السابق .. تتناول الافطارالمعتاد .. وتأخذ طريقك المعتاد .. لتلعن كل ال...... ا